mereka yang sudi

Friday, April 23

الأدلة والمناقشة في حكم الغناء إذا اقترن بآلة اللهو

لقد عنى الفقهاء في شتى المذاهب بموضوع الغناء والآلات وبيان أحكامها ، أحيانا في "البيوع" عند الحديث عن بيع آلات اللهو - وهو الذي نحن بصدده - و حيناً في "النكاح" عند الحديث عن إعلانه والضرب عليه بالدّفوف ونحو ذلك ، وطوراً في كتاب "الشهادات" وشروط من تقبل شهادته ، وهل تقبل شهادة المغنيِّ والمستمع له أو لا ؟، وقد يبحث عند الحديث عن تغيير المنكر باليد ، وشروط هذا التغيير ، وهل يعتبر الغناء من المنكر أو لا؟ كما صنفت في موضوع الغناء والآلات (الموسيقي) وبعبارة الأقدمين "السماع" جملة وافرة من الرسائل والكتب ، متفاوتة الأحجام ومتباينة الأحكام من استحباب إلى إباحة إلى كراهة إلى تحريم مع الإطلاق أو مع تقييد ، واستدل كل فريق لمذهبه بما تيسر له من الأدلة




لقد رأينا صورة عامة لاختلافات العلماء حول الآلات الإيقاعية والوترية والهوائية والغناء، والآن، إليك بيان أدلة الفريقين في المسألة [1] ، وهي كما يلي:-

الفريق الاول : المحرومون وأدلتهم

ذهب الفريق الأول من العلماء إلى تحريم الغناء والآلات-إلا الدف في العرس والعيد- ومنهم مالك وأبو حنيفة [2] وبعض الشافعية كما حكى القاضي أبو الطيب[3] عن الشافعي[4] وسفيان الثوري وجماعة من العلماء وأحد قولي الشافعي وأحمد وهو رأي ابن الجوزي والرافعي والنووي وابن قيم الجوزية ومن المعاصرين هيئة كبار العلماء السعوديين، والألباني، ومحمد عبد القادر أبو فارس، وعبد الفتاح إدريس، وغيرهم كثير لا يتسع المقام لذكر أسمائهم.[5]

استدل المانعون أو المحرمون بأدلة كثيرة ومن أهمها وأقوالها هي:-

أ) قال الله تعالى : (( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللِه بِغَيرِ عِلمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )) [ لقمان: 6] وقول الله تعالى : (( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أََََعْمَالُكُم سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبتَغِي الجَاهِلِينَ )) [ القصص:55] ؛ وجه الدلالة : قد صح عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم أن "لهو الحديث" في الآية هو الغناء، وأقسم ابن مسعود على ذلك حيث قال " هو-الله-الغناء [6]، وذكر الواحدي أن أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث : الغناء.. وهو قول مجاهد وعكرمة.[7] كما أن "اللغو" في الآية الثانية تدل على الغناء وصوت المغازف بأجمعها إلا الدف باستثناء من الشارع.

مناقشة هذه الأدلة :

• أن هذا ليس هو التفسير الوحيد للآية ، فقد فسّرها بعضهم بأن المراد بـ"لهو الحديث" أو "اللغو" : أخبار وقصص الأعاجم وملوكهم وملوك الروم. كما آخرون بأن المراد بـ "لهو الحديث" هو كل باطل ألهي عن الخير والأساطير التي لا أصل لها"[8]

• إن تفسير الصحابي ليس في حكم المرفوع ؛ إلا فيما كان من سبب نزول ونحوه ، ولو كان كله مرفوعاً ما تعارض ولا اختلاف . أو كما قال ابن حزم " إنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ". [9]

• لو فرضنا التفسير مرفوعاً فعلاً ، فإن سياق الآية لا يوحي بذّم مجرّد من يشتغل بالغناء ، أو لهم الحديث ، بل تذمّ وتتوعد بالعذاب المهين من يشتريه ليضل به عن سبيل الله ويتخذها هزواً . وهذا صفة من فعلها كان كافرا بلا خلاف كما فال ابن حزم . وهذا غير ما نحن فيه . وقال الغزالي في هذا الصدد " وأما شراء (لهو الحديث ) بالدين ، استبدالاً به ليضل به عن سبيل الله فهو حرام مذموم وليس النزاع فيه ، وليس كل غناء بدلاً عن الذي مشترى به ومضلا عن سبيل الله.." [10]

• قال الطبري : "والصواب من القول في ذلك أن يقال : عنى به كل ما كان من الحديث ملهياً عن سبيل الله ، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله ؛ لأن الله تعالى عمّ بقوله ((لهو الحديث)) ، ولم يخصص بعضاً دون بعض ، فذلك على عمومه، حتى ما يدل علة خصوصه"[11] ؛ ومن هنا يكون الاستدلال بالآية على تحريم الغناء لمجرد الترويج خارجاً عن الموضوع وإنما تنطبق الآية حقاً على من اتخذ الغناء واللهو بصفة عامة ليصدّ الناس عن القرآن ، ويلهيهم عن فرائض الإسلام.

ب) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليكون قومٌ أمتي يستحلّون الحر[12] والحرير والخمر والمعازف ))[13] ؛ و"المعازف" هي ألآت الملاهي ، ونقل القرطبي عن الجوهري أن المعازف الغناء والآت اللهو ؛ وأوضح الذهبي أنها اسم لكل الآت الملاهى الني يعزف بها ، كالمزمار والطنبور والشبابة والصنوح " ؛ كما أن الحديث جعل استحلال المعازف بمنزلة استحلال الخمر ولبس الحرير.[14] فلا بد أنه يفيد تحريمها .

جـ) عن عمران بن حصين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف)) فقال رجل من المسلمين : يا رسول الله ، ومتى ذلك ؟ قال : (( إذا ظهرت القيان والمعازف وشربت الخمور ))[15].

د) عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين ، وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات- يعني البرابط[16] والمعلزف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية )) [17][18] ، وبناء على هذه الأحاديث كان القول المشهور من المذاهب الأربعة هو التحريم ، استعمالاً واستماعا ، وكل آلة تطرب كالمنبور والمعزفة والمزمار والرباب وغيرها مثل الكوبة وضرب الأوتار والنايات. [19]

هـ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة : مزمار عند نعمة ، ورنةّ عند مصيبة )) [20]؛ يذكر بوضوح على أن صوت المزمار ملعون في الدنيا والآخرة ، فلا بد من تحريم الآت الطرب واللهو .

مناقشة هذه الأدلة :

• قال المبيحون : إن سند الحديث الأول ومتنه لم يسلما من الاضطراب فضلا عن أنه حديث معلق [21] ، وقد اجتهد الحافظ ابن حجر لوصل الحديث ، ووصله بالفعل من تسع طرق ، ولكنها جميعا تدور على راو تكلم فيه عدد من الأئمة النقاد ، وهو هشام بن عمّار السلمي[22]. وأما بالنسبة لحديثي (( إذا ظهرت القيان والمعازف )) و (( إن الله بعثني )) ، فإنهما ضعيفان لا يحتج بهما . وأما بالنسبة لحديثي (( صوتان..)) ، فقال القرضاوي في "المنتقى" أن في رواته شيب بن بشر ، ليّنه أبو حاتم ، ووثقه ابن حبان ، وابن معين ، لكن قال : يخطئ كثيراً ، فلا يحتج به في موضوع خلافي كبير ، كموضووع الغناء والمزامير "، وعلى أنه يؤول بما إذا خرج بالمزمار عن حدود الإباحة ، كما خرج بالرنة عن حدود الصبر على البلاء . وكذلك أن مغهوم خطابه يقتضي إباحة غير هذين الصوتين في غير هاتين ، وإلا بطلت فائدة التخصيص .[23]

• إن دلالة هذه الأدلة على التحريم غير صريحة ؛ فكلمة "المعازف" في كل الأحاديث ، لم يتفق على معناها بالتحديد ، فقد قيل : الملاهى ، وهذه كلمة مجملة ، وقيل : الآت العزف . ولوفرضنا بأن معناها : الآت الطرب المعروفة بالآت الموسيقي ، فإن الحديث المعلّق في البخاري غير صريح في إفادة حرمة "المعازف" لأن عبارة "يستحلون" كما ذكر ابن العربي المالكي لها معنيان : أحدهما : يعتقدون أن ذلك حلال ، والثاني : أن تكون مجازاً عن اللإسترسال تلك الأمور[24] ؛ إذا لو كان المقصود بالاستحلال : المعنى الحقيقي ، لكان كفراً ، فإن استحلال الحرام المقطوع به-مثل الخمر والزنا- كفر بالإجماع.

• إن المعازف مختلف في مولودها ، فقال بعضهم : هي الآت الملاهي ، وقال آخرون : الغناء أو اللهو ، وقيل : صوت الملاهي ، لهذا لما كان اللفظ محتملا لأن للآلة ولغيري الألة ، لم ينتهض للإستدلال.[25]

•واحتمال آخر هو أن كل من روى الحديث من غير طريق هشام بن عمّار ، جعل الوعيد على شرب الخمر ، وما المعازف إلا مكملة وتابعة ، وبهاذا لا يصلح للاستدلال به على تحريم المعازف والغناء على إطلاقها.[26]

•ويحتمل أن تكون المعازف المنصوص على تحريمها هي المقترنة بشرب الخمر . وكما قد يحتمل ، هل يستفاد منها تحريم المجموع المذكور من الحر والحرير والخمر والمعازف ، أو على كل فرد على حدة ؟ ، فإن الحديث في الواقع ينعى على أخلاق طائفة من الناس انغمسوا في الترف والفساد واليالي الحمراء ، وشرب الخمور فهم بين خمر ونساء ولهو وغناء وحر وحرير ، كما روى ابن ماجة عن أبي مالك الأشعري (( ليشرين أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات ، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير )) [27].

• ثم إن القول بحرمة الكوبة بدليل أن في ضرب الكوبة تشبها المخنثين - إذا لا يعتاد ضربها والولع بها إلا هم- غير مسلّم في تحريمها في كل زمان ومكان ؛ إذ ينبغي أن نفهم الحديث بالنظر فيما بني على الأسباب خاصة أو ارتباط بعلة معينة ، منصوص عليها أو مستنبطة منه أو مفهومة من الواقع الذي سيق فيه الحديث [28]. وهذا ما قاله الزبيدي إذ يقول " إن القول بأن الكوبة شعار المخنثين غير مسلّم ، فإن كان هذا في بعض الأقاليم فيختص به ، ولا يسلم أن كل شيء يفعله المخنثون يكون حراماً ، ولو كان ذلك لحرم على الرجال غسل الثياب حرفة ، لأن المخنثين اعتادوه وأكثرهم غسالون ، وإنما يمنع من التشبه بهم في الأفعال المخصوصة لهم إن سلم ، وإلا فلا "[29]. يجيب عن هذه المناقشات :

• قد وثق الحديث- الذي رواه البخاري وقيل إنه معلق-غير قليل من الأئمة أيضاً وقال هذا التعليق : " إن الغالب على الأحاديث المعلقة أنها منقطعة بينهما وبين معلقهاولها صور عديدة معروفة ، وهذا ليس منها ، لأن هشام بن عمّار من شيوخ البخاري الذين احتج بهم في صحيحة...والمقصود أن الحديث ليس منقطعاً بين البخاري وشيخه هشام كما زعم البعض.."[30] وقد نقل الألباني عن ابن القيم أنه قال في إسناد الحديث أنه صحيح متصل كما صرح أكثر من عشرة من الحفاظ بصحة الحديث وقوة إسناده.[31]

• بأنه "المعازف" تدلّ على تحريم استعمال ما صدق عليه الاسم ، والظاهر بحقيقة في الكل من المعاني المنصوص عليها من أهل اللغة ، وليس من قبيل المشترك ، لأن اللفظ لم يوضع لكل واحد على حدة ، بل وضع للجميع.[32]

• أما بالنسبة لحديث (( صوتان )) فجواب قول "إن مفهوم الخطاب يقتضي إباحة غيره " هو أن مثل هذا اللفظ لا مفهوم له عند أكثر أهل العلم ، فإن التخصيص في مثل هذا العدد لا يقتضي الحكم به .[33]

• قال أحمد المحرمين "هذا ما يقوله القرضاوي ومن يقول بذلك لا فهم له باللغة العربية ، إذا الواو لمطلق الجمع والمعطوف يشارك المعطوف عليه ولا يكون مكملاً عليه "[34].

• وأما من قال "هل يستفاد من الحديث تحريم المجموع المذكور من الحر والحرير والخمر والمعازف أو على كل فرد منها على حدة" ؟ فتعرض لرّدة عبد الملك السعدي بقوله " هذا زندقة إذا قصد أن النهي حالة اجتماعها فقط ، لأنه يجوّز الزنا على انفراد وشرب الخمر على انفراد وبيع الحر على انفراد.." [35]

الفريق الثاني: المبيحون بالقيود وأدلتهم [36]

قال الشوكاني في "نيل الأوطار" : "ذهب أهل المدينة[37] ومن وافقهم من علماء الظاهر، وجماعة الصوفية ، إلى الترخيص في الغناء، ولو مع العود واليراع . وحكى الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي[38] في مؤلفة في "السماع": أن عبد الله بن جعفر كان لا يري بالغناء بأساً" وحكي الأستاذ المذكور مثل أيضاً عن القاضي شرسح، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح[39]، والزهري، والشعبي [40] [41]وذهب أكثر المعاصرين-كما يبدولي-منهم رشيد رضا وأبو زهرة، ومصطفى الزرقا ومحمّد الغزالي ومحمود شلتوت وسيد سابق والقرضاوي، ووهبة رضا وأبو زهرة، ومصطفى الزرقا ومحمّد الغزالي ومحمود شلتوت وسيد سابق والقرضاوي، ووهبة الزحيلي[42] ومحمد سعيد رمضان البوطي[43] ورواس قلعجي[44] وغيرهم كثير لا يتسع المقام لذكرهم .

وأدلة هذا الفريق كثيرة ومتعددة، وأهمها هي كما يلي :-

الدليل الأول : استدلوا بقوله تعالى: (( وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين)). [الجمعة: 11]. قرن اللهو بالتجارة، ولم يذمهما إلا من حيث شغل الصحابة بهما-بمناسبة قدوم القافلة وضرب الدفوف فرحاً بها-عن خطبة النبي-صلى الله عليه وسلم-، وتركه قائماً. لو كان اللهو-هنا الغناء والدف ونحوه-محرماًً، ما عطف على التجارة أو عطفت التجارة في سياق واحد، والتجارة مشروعة، فما عليها أو عطفت عليه يكون له حكمها، فإن المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه. كما جاء أيضا في آية أخرى ((قل ما عند الله من اللهو ومن التجارة))، لا يدل على التحريم مجال، إنما يدل على المفاضلة بين الأجرين، وأفضلية الأول على الثاني، لا تحريم الثاني. [45]

مناقشة هذا الدليل : إن آية الجمعة وردت في معرض الذم والعتاب لأولئك الذين تركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وذهبوا إلى القوافل التجارية وإلى اللهو، ولذلك ليس فيهما ما يدل على إباحة الملاهي. [46]

الدليل الثاني: عن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: ليستا بمغنيتين فقال أبو بكر: أمزمير الشيطان في بيت رسول الله وذلك يوم عيد، فقال الرسول ((يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً )[47] ؛ وفي رواية : رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ، وقال (( دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد ))؛ وجه الدلالة : إنهما كانتا وتضربان بالدف وهو إحدى الآته فيجوز الضرب بغيره من هذه الآلات ومنها الصفاقتين والطبل وغيرهما. وهذا الحديث يدل على جواز استعمال المعازف على عمومها ما لم يكن في معصية أو مختلطاً بها. علماً بأن قد زاد في رواية الزهري "تدفنان" ولمسلم في رواية هشام "تغنينان بدف" مما يدل على استعمال هذه الآلات. [48]

مناقشة هذا الدليل :

• قال ابن حجر العسقلاني في الرد " ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة في الحديث الذي في الباب بعده بقولها ((وليستا بمغنيتين)) فنفت عنهما عن طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ..لا يسمى فاعله مغنياً وإنما يسمى بذلك من ينشط بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح" وقال القرطبي، قولها ((ليستا بمغنيتين أي ليستا ممن يعرف الغناء..وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به" [49]

•وأما التفافة صلى الله عليه وسلم بثوبه ففيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك..والأصل التنزة عن اللعب واللهو فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتاً وكيفية وتقليلاً لمخالفة الأصل.

• التعليل في (( فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا )) من جهة ، يشير إلى إقرار أبي بكر على إنكاره للمزامير ويصرح من جهة أخرى بإقرار الجارتين على غنائهما بالدف مشيراً إلى أنه مستثنى من الأصل . وبقي إنكار بكر العام مسلّماً به[50] ؛ لإقراره صلى الله عليه وسلم إياه، ولكنه استثنى منه الغناء في العيد ، فهو مباح بالمواصفات الواردة في الحديث . كما أن الجارتين غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب.[51]

• لا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه ، إذن أنه لا يشمل غيره .[52]



الدليل الثالث : أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالغناء والموسيقي في العرس عندما زفت امرأة إلى رجل من الأنصار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يا عائشة أما يمون معكم لهو ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ))[53] ؛ ولو نظرنا إلى هذا الحديث لا تضح أن الأمر لا يقتصر على أن يجعل اللهو شعارا للنكاح الحلال فقط -كما قال بعض العلماء- بل يعتدى إلى مقاصد أخرى مثل ما ورد في الحديث يعني "فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، ألا ترى أن حرف "الفاء" هو من أحرف الإيماء التي تدل على التعليل والمقصد معا . والحديث أيضا يدل على رعاية أعراف الأقوام المختلفة ، واتجاهم المزاجى ولا يحكم المرء مزاحه هو في حياة كل الناس.

مناقشة هذا الدليل: أن كلمة "اللهو" لا ينحصر في المزامير والملاهي فهناك اللهو البرئ كملاعبة الرجل فرسه وكلو الحبشة وهم يرقصون في المسجد ، ولو كان على آلة موسيقية فلن يحمل إلا الطبل أو الدف. [54]

الدليل الرابع : عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل علي صبيحة بني بي فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات يضربن الدف لهن ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إلى أن قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال (( دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين ))[55] . واضح من الحديث ، أن النبي لا ينكر على هؤلاء الجواري أن يضربن بالدف للربيع في بكرة اليوم ليوم زفافها ، ولم ينكر عليها سماعها اهن.



الدليل الخامس : القواعد الفقهية المقررة والمعقول : وهي فيما يلي :-

أولا : الأصل في الأشياء والمنافع الإباحة ؛

فإن لم يكن فيه نص ولم يستقم القياس على منصوص بطل القول بتحريمه وبقى فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات ، ولا يدل على تحريم الغناء نص ولا قياس .[56] لا شيء في الغناء- بالقيود طبعا -إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، وتستطيبها العقول، وتستحسنها الفطر، وتشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن،..فهل الطيبات أي المستلذات حرام في الإسلام أم حلال ؟

ثانياً -قاعدة : "إذا ضاق الأمر اتسع " وقاعدة" المشقة تجلب التيسير" .

لا ريب أن عموم البلوى بالشيء كثيراً ما ينشأ من حاجتهم إليه ، ولو لا ذلك ما تجاوزا عنه على نطاق واسع ، والحاجة لها اعتبارها ولا سيما إذا عمت وانتشرت ، وقالوا : ما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة . فقضية الغناء منها حيث قد عمّ بها البلوى حيث لا يمكن سدها بالسهولة ولا أفل الصعوبة ، لذا لا بد من تقديم اليسر مع مراعاة الضوابط والقواعد الشرعية لهذه الغناء والآلات الموسيقية.

مناقشة هذين الدليلين :

• هذه القاعدة فيما إذا لم يرد ما يحرم ذلك، وقد ورد كما سبق من الأدلة التي قال بها المانعون.

• هل هذه القاعدة تطبق فيما ضاق الأمر بالمنكرات ؟ على هذا المبدأ هل تقول كشف عورات النساء أيضاً عمت به البلوى فلا بد من القول بإباحته ؟ [57]

ثالثا : المعقول

أ - علل الغزالي حرمة تلك الآلات بأنها تدعو إلى شرب الخمر، وأنها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر الخمر مجالس الأنس بالشرب، ولما أن صار الاجتماع عليها من عادة أهل الفسق ، منع من التشبّه بهم ، وقال بعده "فبهذه المعاني حرم المزمار العراقي والأوتار كلها كالعود والصنع والرباب والبريط وغيرهما، وما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرعاة والحجيج وشاهين الطبالين وكل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل الشرب، لأن كل ذلك لا يتعلق بالخمر ولا يذكر بها ولا يشوق غليها ولا يوجب التشبه بأربابها فلم يكن في معناها فبقي على أصل الإباحة، قياساً على أصوات الطيور وغيرها بل أقول سماع الأوتار ممن يضربها على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضاً، وبهذا يتين أنه ليست العلة في تحريمها مجرد اللذة الطيبة بل القياس تحليل الطيبات كلها..فهذه الأصوات لا تحرم من أنها أصوات موزونة وإنما تحرم بعارض وآخر " [58]

ب- إن الذي كان يريد أن يسمع الغناء في العصور الماضية كان يتحتم عليه أن يذهب إلى مجلس الغناء أو مجلس الطرب، ويشهد ما فيه، وقلما كانت تخلو هذه المجالس من محرمات ومنكرات، من خمر وخلاعة ومجون وتهتك ، ولا نزع في أن حضور هذا النوع من المجلس محرم شرعاً، وفي عصرنا لم يعد مستمع الغناء في حاجة إلى شيء من ذلك، فهو يستطيع أن يستمع إلى الغناء من شريط كاسيت، أو من المذياع أو من التلفاز ، فلا بد من وضع هذا الفارق في الاعتبار عند الإفتاء .[59]



ثالثا : الراجح في حكم الغناء واستعمال المعازف والاستماع إليها[60]

قبل الخوض في ترجيح المسألة فأقول : بعد الاتفاق على تحريم الغناء الماجن وما فيه فتنة وهو غالب ما عليه الغناء الآن في الإذاعات وغيرها ومعظمه غزالي . وفيما عدا ذلك كأن يكون فيه حث على الشجاعة والكرامة أو مدح الوطن والوالدين والأصدقاء وحث على الخيرات وغيرها ففيه خلاف بين الفقهاء الذي سبق عرضه ، ويكون الترجيح في هذا المجال .

وبعد النظر في أدلة كل فريق ومناقشتها فإن الرأى الذي أميل فيه هو كالآتي :-

1) جواز استعمال هذه الآلات الموسيقية في مواضع السرور والفرح والحرب ونحوها- التي تباح شرعاً- قياساً على إباحة الدف في النكاح والعيد ، مع رعاية المقاصد من ذلك الاستعمال والقيود والضوابط المقررة عند العلماء ؛ وذلك نظراً لكثرة الاحتمالات المتطرقة إلى دلالة الأحاديث الواردة في الباب فضلا عن الكلام في سندها ، وقال في شرح فتح القدير: "قضايا الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال ، كساها ثوب الإجمال ، فبطل بها الاستدلال" [61] ، وقال الفاكهاني : لم أعلم في كتاب الله ، ولا في السنة حديثاً صحيحاً صريحاً في تحريم الملاهى ، وإنما هي ظواهر وعمومات يستأنس بها لا أدلة قطعية"[62]. وقال ابن العربي في كتابه "أحكام القرآن" بقوله "لم يصح في التحريم شيء" ، وكذلك قال الغزالي وابن النحوي في العمدة وابن طاهر[63] .

2) ضرورة رعاية الضوابط المقررة لدى المبيحين- المذكورة في الصفحة وإلا فلا يجوز استعمال هذه الآلات ولا الغناء.

No comments: